الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

225

مناهل العرفان في علوم القرآن

الرموز الحرفية ، فكانت هذه الحروف لا بدّ من نزولها في القرآن ليأخذ الناس في فهمها كل مذهب ويتصرف الفكر فيها . ولأقتصر لك مما قرأته على ثلاث طرائق فيما ترمز إليه هذه الحروف : ( الطريقة الأولى ) أن تكون هذه الحروف مقتطعات من أسماء اللّه ، كما روى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه قال : الألف آلاء اللّه ، واللام لطفه ، والميم ملكه . وعنه أن « الر ، وحم ، ون » مجموعها الرحمن . وعنه أن « ألم » معناه أنا اللّه أعلم ، ونحو ذلك في سائر الفواتح . وعنه أن الألف من اللّه ، واللام من جبريل ، والميم من محمد أي القرآن منزل من اللّه بلسان جبريل على محمد عليهما الصلاة والسلام . أقول : إنما أراد ابن عباس بذلك أن تكون الحروف مذكرة باللّه عز وجلّ في أكثر الأحوال ، وذكر اللّه أجلّ شئ . ويرجع الأمر إلى أنها أسماء مرموز لها بالحروف كما تقدّم عن الأمم السالفة من النصارى في إسكندرية ورومة . ولكن لا بدّ أن يكون هناك ما هو أعلى وأجل . ( الطريقة الثانية ) أن هذه الحروف من أعجب المعجزات والدلالات على صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وهذا مما ترضاه النفوس . . . ألا ترى أن حروف الهجاء لا ينطق بها إلا من تعلم القراءة . وهذا النبي الأمى صلّى اللّه عليه وسلّم قد نطق بها . والذي في أول السور أربعة عشر حرفا منها ، وهي كلها ثمانية وعشرون حرفا إن لم تعدّ الألف حرفا برأسه ، فالأربعة عشر نصفها . وقد جاءت في تسع وعشرين سورة وهي عدد الحروف الهجائية إذا عدّت فيها الألف . وقد جاءت من الحروف المهموسة العشرة وهي . « فحثه شخص سكت » بنصفها ، وهي الحاء والهاء والصاد والسين والكاف . ومعلوم أن الحروف إما مهموسة - أي يضعف الاعتماد عليها - وهي ما تقدّم ، وإما مجهورة وهي ثمانية عشر ، نصفها - وهو تسعة - ذكرت في فواتح السور ، ويجمعها « لن يقطع أمر » .